يثير إحياء الألعاب الوطنية في وقتنا الراهن اهتماماً واسعاً، ليس فقط لكونها وسيلة ممتعة لقضاء الوقت، بل لكونها جانباً جوهرياً من جوانب التربية والتنشئة؛ حيث تضرب جذور هذه الألعاب في أعماق التاريخ السحيق.
لقد عرفت الحضارة السومرية— وهي واحدة من أقدم الثقافات البشرية— ألعاباً ذهنية ولوحية خاصة بها. وتكشف اللقى الأثرية أن السومريين مارسوا ألعاباً تعتمد على الألواح والقطع، تشبه في هيئتها لعبتي الضامة أو لعبه الطاولة المعاصرتين، بالإضافة إلى ألعاب النرد. ومن الملاحظ أنه في الثقافة الوطنية الأبخازية، لا تحظى الألعاب الذهنية (الساكنة) بسجل وافر من الاهتمام مقارنة بغيرها.
في فترة ما بعد الحرب، عثرت إنغا شامبا، كبيرة الباحثين في متحف أبخازيا الحكومي للاثنوغرافيا، على قطعة أثرية فريدة ضمن مقتنيات المتحف، وهي عبارة عن لوح خشبي مزود بأقسام منزلقة لقطع اللعب ذات اللونين الأبيض والأسود. وبدافع الفضول العلمي حول أصل اللوح ووظيفته، تبين لإنغا أن هذه القطعة قد وجدت خلال بعثة استكشافية في أوتشامتشيرا عام ١٩٧٥م، قادها يرمولاي أدجينجال وتاتشيم غيتسبا أثناء استضافتهما لدى عائلة أفيدزبا. واتضح لاحقاً أن اللعبة أعيد إحياؤها وصناعتها على يد حرفي استند في ذلك إلى روايات والده الحداد لومان أفيدزبا، وهو من قرية آاتسي بمنطقة غوداوتا وأحد المشاركين في الحرب العالمية الثانية.
تعرض هذه النسخة اليوم كقطعة حصرية في متحف الإثنوغرافيا بأبخازيا. ويتميز لوح اللعب ذو الشكل الرباعي بوجود توقيع المؤلف الشخصي، مما يحفظ تاريخ ابتكارها وحقوق ملكيتها. وقد نقش على حواف اللوح اسم الصانع (سلطان أفيدزبا)، والمواد الطبيعية المستخدمة (خشب الماهوجني، الطقسوس، والجوز)، ومكان وتاريخ إعادة الإحياء (قرية كوتول، ١٩٧١)، بالإضافة إلى عبارات "أبسنِي" (أبخازيا)، و"العب الآداما"، مع تحذير "لاتلعب من أجل المال"؛ علماً بأن جميع النقوش نحتت باللغة الأبخازية. يتكون ميدان اللعب من ثلاثة مربعات (كبير، متوسط، وصغير) متصلة بخطوط عمودية، وفي المركز توجد دائرة كتب عليها "آداما" مع رمز على شكل مفتاح، بينما زينت الزوايا بنقوش لنجوم وبتلات ورد.
تعد لعبة "آداما" حالة نادرة في الثقافة الأبخازية؛ حيث يمثل هذا المقتنى المتحفي لعبة لوحية قديمة تمتد جذورها إلى الحضارة السومرية. وتمتاز هذه اللعبة بتعقيدها وتنوعها، وقيمتها التربوية العالية، وتصنف كواحدة من أقدم ألعاب التخطيط الاستراتيجي المعروفة. ورغم أن قواعدها لم تحفظ بالكامل، يعتقد أنها كانت مزيجاً من الاستراتيجية وعنصر الحظ؛ إذ يعتمد أحد أنماطها على صف القطع أفقياً أو عمودياً أو قطرياً، بشكل يشبه لعبة إكس-أو (Х-О) المعاصرة.
وعلى الرغم من أنه لا يمكننا اليوم تصنيفها رسمياً كـ "لعبة وطنية أبخازية"، إلا أنه من المؤكد أنها كانت معروفة جيداً لدى أسلافنا. لقد لعبت "آداما"— كغيرها من الألعاب اللوحية في ذلك العصر— دوراً محورياً في الحياة الاجتماعية، معززة التفاعل والتبادل الثقافي، كما كانت وسيلة لتدريب العقل على التفكير الاستراتيجي والتخطيط، فهي تتطلب التركيز، والذاكرة، والخيال، والإرادة، فضلاً عن البراعة الذهنية.
لقد كشفت الحفريات عن قطع أثرية مشابهة في الحضارة السومرية مصنوعة من الحجر. ورغم غياب القواعد الدقيقة لبعض الألعاب
المكتشفة، إلا أن هذه اللقى الأثرية تمنحنا تصوراً جلياً حول كيفية قضاء السومريين لأوقاتهم في ممارسة الترفيه الذهني الراقي.